عبد الله بن أحمد النسفي

282

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 154 ] ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 154 ) وخوف عدوّهم وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ يقول : ( إليّ عباد اللّه إليّ عباد اللّه أنا رسول اللّه من يكر فله الجنة ) « 1 » والجملة في موضع الحال فِي أُخْراكُمْ في ساقتكم وجماعتكم الأخرى ، وهي المتأخرة يقال جئت في آخر الناس وأخرهم ، كما تقول في أولهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى فَأَثابَكُمْ عطف على صرفكم ، أي فجازاكم اللّه غَمًّا حين صرفكم عنهم وابتلاكم بِغَمٍّ بسبب غم أذقتموه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » بعصيانكم أمره ، أو غما مضاعفا ، غما بعد غمّ وغما متصلا بغمّ ، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول اللّه عليه السّلام « 3 » ، والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ لتتمرنوا على تجرّع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع وَلا ما أَصابَكُمْ ولا على مصيب من المضارّ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ عالم بعملكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية . 154 - ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً ثم أنزل اللّه الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم ، عن أبي طلحة « 4 » : غشينا النعاس ونحن في مصافنا فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه « 5 » . والأمنة الأمن ، ونعاسا بدل من أمنة ، أو هو مفعول وأمنة حال منه مقدمة عليه ، نحو رأيت راكبا رجلا ، والأصل أنزل عليكم نعاسا ذا أمنة إذ النعاس ليس هو الأمن ، ويجوز أن يكون أمنة مفعولا له أو حالا من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة ، أو على أنّه جمع آمن كبار وبررة يَغْشى يعني النعاس ، تغشى بالتاء ، والإمالة

--> ( 1 ) قال الحافظ ابن حجر : هذا منتزع من أخبار في وقعة أحد ، في ( ز ) لم يكرر قوله ( إليّ عباد اللّه ) . ( 2 ) ليست في ( أ ) . ( 3 ) ليست في ( أ ) وفي ( ظ ) صلى اللّه عليه وسلم . ( 4 ) أبو طلحة : هو زيد بن سهل بن الأسود النجاري ، صحابي كان من كبار الأنصار ، ولد عام 36 ق . ه وتوفي عام 34 ه ( الأعلام 3 / 58 ) . ( 5 ) أخرجه البخاري من رواية قتادة عن أنس به .